منتــ ـ ــديات فلسطـ ـ ـين الحـ ــرة ...حلـ ــ ــم كـ ــ ــل فلسطينـ ـ ـي
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 في حضرة الغياب ( محمود درويش)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غريب الدار

avatar

ذكر عدد الرسائل : 1043
العمر : 28
العمل/الترفيه : طالب جامعي
المزاج : مبسوط طول ما أنا في المنتدى
تاريخ التسجيل : 12/07/2008

مُساهمةموضوع: في حضرة الغياب ( محمود درويش)   الأحد أغسطس 10, 2008 9:29 am

lol!
في حضرة الغياب" لمحمود درويش

النثر المصفى بالشعر

محمد علي الأتاسي



من بهاء الشعر وأنفته يتوالد نثر محمد درويش في كتابه الأخير "في حضرة الغياب"، الصادر حديثاً عن "دار رياض نجيب الريس"، ليقدم نصاً رثائياً أوتوبيوغرافياً فريداً في شعريته النثرية وعميقاً في رنينه الصوفي والجنائزي، وليضيف إلى سجل الشاعر الحافل بالتجارب الإبداعية فتحاً جديداً في ميدان الكتابة النثرية العربية.

في هذا النص المشرّع على النهايات، يسدل محمود درويش، على سيرته الذاتية والشعرية، كفن الموت المطرز ببراعم الحياة، ويذهب بعيداً في لعبته المفضلة مع الكلمات والمجاز، ليخطف برهة من الفناء الموعود وليتقمص شخصية الراوي الذي يخاطب موته، تارة في محمود درويش الإنسان، وطوراً في محمد درويش الشاعر، ولا يتردد في رثائهما معاً، إن أفضت حادثة الحياة، في لحظة شعرية ما، إلى حلول الواحد في الآخر.

يضجّ نص محمود درويش ببوح البدايات للنهايات، والطفولة للكهولة، والحياة للموت، والإنسان للشاعر، فإذا بنا أمام بناء لغوي ومجازي لا نعرف في سطوره أين يبدأ النثر وأين ينتهي الشعر، أين تزوي العبارة وأين يولد المعنى. نص مسكون بأزرق البحر وبوحشة الموت، كأنه ممسوك بهذا الوتر المائي المشدود أبداً إلى نهايات الشعر ونهايات النثر، والذي يأبى انقطاعاً إلا على مثل هذا النص الخلاق.

وكما يفعل الفنان التكعيبي، عندما يرسم أوتوبورتريهاً يعيد إلى شكله الإنساني عناصر تكوينه الأولى ويمعن في التجريب، يستل محمود درويش قلمه، في برهة تأمل بين الموت والحياة تمتد على 181 صفحة، ويختار من مسار حياته فواصل مهمة، مرّ عليها مراراً في شعره ومقابلاته الصحافية، ليعيد إنتاجها في سردٍ مشغول بسؤال: كيف أكتب؟ بقدر انشغاله بسؤال: ماذا أكتب؟

على مدى عشرين فصلاً، هي حصيلة الكتاب، تتقاطع السيرة الذاتية للشاعر مع السيرة الجماعية لشعبه في محطات تبدأ مع النكبة وتمر بحصار بيروت وتعبر إلى تونس فأوسلو لتحط رحالها في رام الله، مفسحة المجال للحكاية الشخصية لتقول تفردها وذاتيتها في حوار محمود درويش النثري مع "أناه" حول الطفولة والطبيعة والمدرسة والسجن والأم والمرأة و الكتابة والحب والغربة والحنين وجلطة القلب وعملية القلب والموت والخلود.



الأنا الملتبسة

منذ السطر الأول في هذا النص النثري الموغل بعيداً في الشعر، يطلق محمود درويش ترنيمة اللحن الجنائزي في رثاء الذات على إيقاع الراوي المتحرر، روحاً وقلماً, من جسد الشاعر-الإنسان المسجى أمامه:

"سطر سطرا أنثرك أمامي بكفاءة لم أوتها إلا في المطالع\ وكما أوصيتني، أقف الآن باسمك كي اشكر مشيعيك إلي هذا السفر الأخير، وادعوهم إلي اختصار الوداع والانصراف إلي عشاء احتفالي يليق بذكراك\ فلتأذن لي بأن أراك، وقد خرجت مني وخرجت منك، سالماً كالنثر المصفى على حجر يخضرّ أو يصفرّ في غيابك"

هذا الخروج الملتبس عن الذات سيسكن النص الدرويشي من منتهاه إلى منتهاه ويحكم إيقاعه الصوفي ويسمح لـ "أنا" الشاعر أن تمارس ازدواجيتها الكتابية في هذا الرثاء المضني للجسد الذابل ولوعد اللغة المشرع على الخلود:

"ولنذهبنّ معاً أنا وأنت في مسارين:

أنت، إلى حياةٍ ثانية، وعدتك بها اللغة، في قارئ قد ينجو من سقوط نيزكٍ على الأرض

وأنا، إلى موعد أرجأته أكثر من مرّة، مع موتٍ وعدته بكأس نبيذ في إحدى القصائد".

يبني محمود درويش نصه الجديد على انشطار هذه "الأنا" وازدواجية صوتها، كلمة تداعب كلمة، وعبارة ترثي عبارة، ومعنى يفر من المعنى. ويتولد هذا المستحيل الذي يسميه لوركا بـ "الروح المبدع"، من القلق الخلاق النابع من استحالة حلول هذه "الأنا" في ذاتها، ومن حتمية هذه الحلول. فإذا بسؤال الوجود، أكثر أهمية من الوجود ذاته. يقول درويش مخاطباً نفسه:

"لو عرفتك لامتلكتك، ولو عرفتني لامتلكتني، فلا أكون ولا تكون".

في هذا اللهاث المضني وراء امتلاك الذات والتماهي معها، يبتعد الموت بقدر ما يقترب الشاعر منه، ويغدو الطريق إلى المطلق أهم من المطلق ذاته:

"أنا المرثيّ والراثي\ فكني كي أكونك\ قم لأحملك\ اقترب مني لأعرفك\ ابتعد عني لأعرفك"

ومن هذا الحيز المغرق في الهشاشة بين الموت والحياة، بين الروح والجسد، بين المنفى والوطن، بين الكتابة والإيقاع، بين "الأنا" وذاتها، بين المعنى والعبارة، يرتعش النثر ويتنزل الشعر:

"ومن بعيد تجيء القصائد. أشبهك ولا أكونك. وأكونك ولا أشبهك".

أما حادثة الموت الطارئة ومغادرة الروح للجسد، فما هي إلا لحظة حلول الراوي بالمروي والراثي بالمرثي إيذاناً ببدء السفر:

"فإن كنت أنت القائل ما أقول لك الآن في صمتك هذا، فلن يكون الموت أكثر من وسيلة لاهتداء الروح إلى ما أعد لها من سفر".



طفولة الفصول

ولد محمود درويش في قرية "البروة" في الجليل في العام 1942، ضعيفاً نحيلاً، كما يروي، ولم يصدق أحد من الجالسين في ظل شجرة التوت أنه سيحيا، من فرط ما شرق بحليب أمه وأختنق. لكن التدريب الطويل على الألفة هو ما يجعل الحياة ممكنة، على حد تعبير الشاعر. هذه الألفة وجدها الطفل محمود في عناصر الطبيعة الفلسطينية التي تفتحت عليها لغته وشاعريته وحبه للعزلة. فمن أشجار الزيتون والخرنوب والبلوط والسنديان، إلى نباتات الخبيزة والهندباء، إلى أوراق التبغ الذهبي ومراوغة طائر الدوريّ للصياد وعباءة الجد المعلقة كخيمة في الريح، ولد معجم الطفل الأول وحفرة الطبيعة عبق بصمتها على صخر الذاكرة.

طيش الطفل وذهابه المستمر إلى البراري والأشجار، جعلاه يقفز من على صخرة ليطير مقلداً فراشة، ودفعاه خلسة إلى ركوب الحصان دون سرج فقاده كما يقود الهواء سحابة، فصار الهواء ريحاً وأنتشى الطفل: "إني أطير". قبل أن يقع ويجرح نفسه تاركاً ندبة لا يزال يحملها في الحاجب الأيمن.

لا يتوانى الطفل عن أن يجرح نفسه كلما غاب في حضور فيستل سكيناً في غفلة من أهله ويضغط بركبته اليسرى على شفرتها إلى أن يسيل الدم، ويعد بنتاً أن يقاسمها التفاحة ويمرر السكين الصدئ على إصبعه بدلاً من التفاحة. ويعلمه دمه أن الندبة ذاكرة لا تكف عن العمل.

خلال هذه السنين الوادعة سيكتشف الطفل الذاهب إلى المدرسة لعبة الحروف والكلمات، فحين يجمع حرفاً إلى حرف، يسفر هذا الشكل عن صوت ما ويتولد معنى له صورة، فتصير ثلاثة أحرف باباً أو داراً.

يقول درويش مسترجعاً طفولة كلماته وكلمات الطفولة:

"يالها من لعبة! ياله من سحر. يولد العالم تدريجياً من كلمات. هكذا تصير المدرسة ملعباً للخيال...فتركض إليها بفرح الموعود بهدية اكتشاف، لا لتحفظ الدرس فحسب، بل لتعتمد على المهارة في تسمية الأشياء. كل بعيد يقترب. وكل مغلق ينفتح. إذا لم تخطئ في كتابة كلمة نهر، فسيجري النهر في دفترك. السماء أيضاً تصبح جزءاً من مقتنياتك الشخصية إذا لم تخطئ في الإملاء".

وإذا كان جواب السؤال: "متى وكيف ولد الشاعر في محمود درويش؟" يبقى عصياً، مع الآسف، على الراوي في نص درويش الجديد، فإنه يستعيض عن ذلك بالإحالة الضمنية لهذا السؤال على فترة الطفولة التي لا ينفك درويش يستعيدها كمرحلة تأسيسية لكل ما أتى شعرياً من بعد:

"عد طفلا ثانية\علمني الشعر\وعلمني ايقاع البحر\ وأرجع للكلمات برأتها الأولى...

عُد طفلاً لأرى وجهي في مرآتك\ هل أنت أنا\ وأنا أنت؟\ فعلمني الشعر لكي أرثيك الآن الآن الآن\ كما ترثيني!"



النكبة

ست سنوات عاشها محمود درويش طفلاً في قريته "البروة"، قبل أن تقع الواقعة وتدمر القرية ويهّجر أهلها إلى لبنان في العام 1948. لكن الطفل لا يلبث أن يعود بعد سنة ونيف متسللا، ولاجئاً مع أهله، إلى فلسطين التي صار اسمها بين عشية وضحاها إسرائيل: "بساعة نحس واحدة دخل التاريخ كلص جسور من باب، وخرج الحاضر من شباك. وبمذبحة أو اثنتين، انتقل اسم البلاد، بلادنا، إلى اسم آخر. وصار الواقع فكرة وانتقل التاريخ إلى ذاكرة".

لم يبق للطفل المهدورة براءته في هذا اليوم الطويل، سوى ثوب أمه ليتعلق به فهو " الدليل الوحيد على أن الأرض تركض حافية القدمين". ولن يقوى أحد، بعد هذا اليوم، على إخفاء الوجع عن الطفل الصغير فهو "مرئيّ، ملموس، مسموع، كانكسار المكان المدوّي".

خروج محمود درويش القسري من فلسطينه التي رضعها طفلاً واستنشقها هواءً و تلفظها سهولاً، سيؤذن بانطواء المعاش وانكسار الطفولة واغتراب الزمان المباح، بحيث لم يبق إلا الأمل الذي يعتاش على الذاكرة:

"يوقظونك من زمنك الخاص، ويقولون لك: اكبر الآن معنا في زمن القافلة، وأركض معنا لئلا يفترسك الذئب. فلا وقت لنا لأن نودع أي شيء ساخن. فاترك منامك نائماً على نافذة مفتوحة، ليحلق بك حين يصحو عند الفجر الأزرق"

من لبنان اللجوء والبرد القارص وأوحال الخيام، ستحفظ ذاكرة الطفل شلال جزين، فهذه المرة الأولى التي يرى فيها كيف يحفر الماء أناشيده في الصخر. وعلى البحر اللبناني سينتحي طفل فلسطين ليبكي كأمير صغير أنزلوه عن عرش الطفولة. ومن امتزاج ملوحة الدمع الصاعد إلى المقلتين، بملوحة حرف الحاء في كلمة البحر المبحوحة في الحلق سينهمر النداء الذي ستسكن أصدائه كل الشعر الدرويشي: "يا بحر يا بحر خذني إلى هناك".

وسيتعلم الطفل، رغماً عنه، أبجدية الظلم و غدر الكلمات وقسوة اللغة الآتية من عالم الكبار:

"وتسأل: ما معنى كلمة لاجئ

سيقولون: هو من اقتلع من أرض الوطن

وتسأل: ما معنى كلمة وطن

سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقن الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى.

وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات وتضيق بنا".

يعود محمود وأفراد عائلته متسللين على بغلتين إلى فلسطين ليعيشوا في وطنهم لاجئين في بيت طيني بالقرب من قريتهم "الطورة" التي بات يسكن على أطلالها مهاجرون أتت بهم الأسطورة الصهيونية من اليمن ليدخلوا عنوة ومن دون استئذان حياة أهل الدار وليشربوا من أباريق قهوتهم الساخنة التي تركوها ورائهم على عجل وليأكلوا خبزاً من العجين الذي ودّعه أصحابه قبل أن يختمر. ويكتب محمود درويش وجعه الطازج:" كل شيء هنا مقارنة موجعة مع ما كان هناك. وما يجرحك أكثر هو أن (هناك) قريبة من (هنا). جارة ممنوعة من الزيارة. ترى حياتك التي يتابعها مهاجرون من اليمن دون أن تتدخل فيما يفعلون بها، فهم أصحاب الحق الإلهي وأنت الطارئ اللاجئ".

لم يكن أهل البلد بعد في حاجة الأساطير، على ما يذكر محمود درويش، لكن ما حدث فيها يحدث الآن فيهم. في هذا اليوم المهروس بجنازير الدبابات، يعطي الغازي نفسه الحق في أن يكتب تاريخه وتاريخ ضحاياه:

"الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كل شيء إلى مشيئة الرب الذي وعد ولم يخلف الميعاد. كتبوا روايتهم: عدنا. وكتبوا روايتنا: عادوا إلى الصحراء. وحاكمونا: لماذا ولدتم هنا؟ فقلنا: لماذا ولد آدم في الجنة؟"

لكن للمهزوم ذاكرة ولغة تعبق برائحة المكان. وعليه أن يكتب عن تاريخه الحقيقي والمعاش، في مواجهة أسطورة مسلحة بالدبابات وبالقدرة على مصادرة المكان وتطويع الزمان. منذ الآن سيقول محمود درويش لمحمود درويش: "كن سيد أوصافك". كيف لا، ما دام "المستقبل منذئذ هو ماضيك الآتي".



النزول من على جبل الكرمل

يغادر محمود درويش منزل العائلة للعيش في مدينة حيفا وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، ويعمل هناك في الصحافة المقربة من الحزب الشيوعي الإسرائيلي ويحتك بشعراء من جيله فتبدأ سنوات تكوينه السياسي والثقافي وينشر أولى أعماله الشعرية. والحقيقة أن قارئ نص "في حضرة الغياب" يظل على عطشه من حول مشاهد نثرية من تلك المرحلة الهامة من حياة الشاعر، والتي يمر عليها النص بشكل سريع في عبارات تبدأ بلازمة "وعشت".

يستعيد محمود درويش في نصه متاعبه مع السفر، في تلك الفترة، فجوازه لا يحدد جنسية حامله كونه عاد متسللاً إلى وطنه. ويمنع الشاعر في أواخر الستينات من دخول فرنسا لأن البوليس لم يرض بختم وثيقة سفر صادرة عن السلطات الإسرائيلية لا تحدد جنسية صاحبها، وعن هذا يكتب: "فرأيت نفسك في المطار التالي شخصاً غير مرغوب فيه، لافتقار الوثائق إلى فقه الربط بين الجغرافيا وأسمائها: فمن ولد في بلد لا يوجد..لا يوجد هو أيضا"ً.

وإلى تلك المرحلة تعود تجارب محمود درويش المتتالية مع السجن والإقامة الجبرية. فالسجن، على صعوبته، كان بالنسبة لدرويش كثافة ومناجاة للخارج واحتفاء بالطبيعة وتدليك لعضلات الحرية المتشنجة:

"السجن هو حرمان الكائن من مشهد الشجرة والبحر. والحرية هي المخيلة القادرة على استدعائهما إلى السجن، وجعل ما ليس مرئيا مرئياً"

في نهاية الستينات سيغادر محمود درويش وطنه متوجهاً إلى موسكو ويمضي سنة دراسية هناك، قبل أن يظهر في العام 1970 في القاهرة معلناً خروجه من الوطن المكبل، شاداً الرحال إلى بيروت. ومنذ تلك اللحظة سيسكنه سؤال: "لماذا..لماذا نزلت عن جبل الكرمل؟".

مرة أخرى تغيب عن النص تجربة الشاعر الأدبية والسياسية في بيروت السبعينات، وينقلنا محمود درويش سريعاً إلى لحظة مغادرة القوات الفلسطينية العاصمة اللبنانية بالبواخر، وبكائه من كل الحواس كما لم يفعل من قبل، وألمه من منظر "إشارات النصر المرسومة بأصابع لم ينتبه أبطالها إلى ما بتر منها".

في تلك الفترة يقول درويش لذاته: "لن أخرج". لكن "أنا" الشاعر سرعان ما أجابت صاحبها بأن بيروت ليست حيفا وأنه كان عليه أن يقول ذلك هناك. فيخجل من تصويب الخطاً بالخطاً ويستدرك: "أعني لن أخرج من جهة البحر، لأني لا أجيد السباحة".

وفعلاً، يخرج محمود درويش في النهاية من بيروت براً من طريق دمشق متخفياً في سيارة دبلوماسي ليبي، بعدما وقعت مجزرة "صبرا وشاتيلا" ودخلت الدبابات الإسرائيلية شوارع بيروت.



خريف العمر

باريس الثمانينات ومطلع التسعينات، ستحتضن غربة الشاعر المتجددة، وسيعطيه خريفها الباذخ فسحة للتأمل في خريف العمر والاعتناء به: "لا تريد لهذا الخريف أن ينتهي، كما لا تريد للقصيدة أن تمتلئ فتنتهي. لا تريد بلوغ الشتاء. فليكن الخريف أبديتك الخصوصية".

ومع اللوحات التي لم ينفك يعلقها على جدران عناوينه المتلاحقة، في هذا المصير المشرع على السفر والهجرة والرحيل، وعلى اتساع المفردات لوهم المترادفات، تصاب استعارة درويش بإنزياح التحولات: من "وطني ليس حقيبة" إلى "وطني حقيبة".

وإذا كان المنفى "هو سوء التفاهم بين الوجود والحدود"، فإن الحنين "هو التزوير البريء لحماية مرجعية المنفيّ من الصدأ. وهو الكلس الضروري لتلميع البيوت". وبما أن أحداً لا يحن إلى وجع أو هلع أو جنازة، فإن الحنين "هو اختصاص الذاكرة في تجميل ما احتجب من المشهد، وترميم شبّاك سقط دون أن يصل سقوطه إلى الشارع". والحنين هو "وجع لا يحن إلى وجع...وجع البحث عن فرح سابق".

في باريس تتعتق علاقة محمود درويش مع المرأة ويهديها أجمل القصائد عن الحب المستحيل. وإذا كانت الخيبة ستدفعه لأن يكتب في نصه الجديد: "في أول الحب تنهمر عليك المطالع، زرقاء زرقاء. وفي أوج الحب تحياه، وينساك وتنساه وينسيك المطالع. وفي آخر الحب تطيل النظر في الساعة"، فإنه سرعان ما يستدرك بالآتي: "كأن الكتابة، كالحب، بنت السحابة إن أمسكت بها ذابت".

طقوس الحياة اليومية في اعتيادها الممل، تصبح في غربة محمود درويش المستجدة عالماً شاسعاً للتأمل ولتدريب العزلة على ألفة استنباط الاستعارات وتوليد المعاني. وإلى جانب هوس محمود درويش بطقوس الاستيقاظ وتحضير القهوة الصباحية وقراءة الجرائد والجلوس وحيداً في مواجهة الورق الأبيض، فإنه مسكون بالنوم بقدر ما هو مسكون بالموت: "تحب النوم...ولا يهمك أن يطيل النوم عمرك، بل يهمك أن يطيل العمر نومك". فالنوم هو المدخل لمساءلة الموت: ""هل الموت نوم طويل، أم النوم موت قصير؟".

خوف محمود درويش من أن يموت وحيداً في غرفة مغلقة من دون أن يدري به أحد، كما حدث مع صديقه الشاعر معين بسيسو، يدفعه دائماً إلى إخراج مفتاحه من الباب حتى تستطيع مدبرة المنزل، التي تأتي إليه كل يوم في منتصف النهار، أن تفتح بمفتاحها من الخارج. وتراوده نفسه: "يا لها من خاطرة خبيثة: تريد أن تتزوج إمرأة لا وظيفة لها إلا إعلان موتك. يا لها من أنانية! ويا له من حب يزف النعي بالنعي".

تجربة الموت ستصبح محسوسة، ملموسة، ومرئية في حياة وشعر محمود درويش بعد أن تمرد قلبه عليه وأصابه بجلطة في مدينة فيينا، منتصف الثمانينات، تلتها بعد سنوات عملية جراحية حرجة في باريس. عن هذا يقول مخاطباً "أناه" التي غابت برهة مع الموت: "في نومك هذا ذكرى نوم آخر أحملها الآن بدلا منك: اخترق خنجر صدرك، فصرخت: في أي قلب أصبت؟ لم تسمع أحداً يذكرك بأن لك قلباً واحداً، فقد أغمي عليك في ليل فيينا البارد. وعشت لأن يداً إلهية أسعفتك". وأثناء العملية الجراحية سيخطفه الموت لدقيقة ونصف وستعيده الصدمة الكهربائية للحياة، فيكتب: "هل كان الموت جميلاً ومريحاً لهذا الحد؟ لا. ليس هذا موتاً. إنه حياة من نوع آخر. إنه نوم معافىً. نوم كلي الهناءة"



عائد إلى الكرمل

مع توقيع معاهدة أوسلو للسلام، سيستقيل محمود درويش من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وسينأى بالشاعر داخله عن الألاعيب والتسويات السياسية. وكونه هو الذي صاغ ذات مرة إعلان الدولة المرجوة، فإنه يعرف أن الدولة ما زالت نصاً أدبياً وأن الباب الذي يدلف منه العائدون لا يفضي إلى استقلال ودولة: "صحيح أن الاحتلال قد خرج من غرفة النوم، لكنه يجلس في الصالون وفي سائر الغرف. يتحكم بحنفية الماء وزّر الكهرباء وزرقة البحر".

محمود درويش الذي أعان أبا عمار على كتابة أجمل خطبه، والمتسمّر أمام شاشة التلفزيون لرؤية المصافحة التاريخية بين ياسر عرفات واسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض، سيعود على الفور إلى صوابه وهو يسمع خطبة الرئيس الفلسطيني: "لا، ليست هذه لغتي. فأين بلاغة الضحية التي تسترجع ذاكرة عذابها الطويل، أمام شقاء اللحظة التي ينظر فيها العدو في عين العدو، ويشد علي يده بإلحاح؟ أين أصوات القتلى السابقين والجدد الذين يطالبون باعتذار لا من القاتل فحسب، بل من التاريخ؟".



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
غريب الدار

avatar

ذكر عدد الرسائل : 1043
العمر : 28
العمل/الترفيه : طالب جامعي
المزاج : مبسوط طول ما أنا في المنتدى
تاريخ التسجيل : 12/07/2008

مُساهمةموضوع: مرحبا   الأحد أغسطس 10, 2008 9:30 am

بعد عودة المقاتلين الفلسطينيين إلى غزة وأريحا، يسافر محمود درويش إلى غزة للمرة الأولى في حياته ويخجل في أزقتها، من ثيابه المكوية ومن جماليات الشعر ومن تجريدية الموسيقى ويقول: "آتيت ولكنني لم أصل\ وجئت ولكنني لم أعد".

أما العودة الحقيقة والوصول الكبير إلى جبل الكرمل وبيت الطفولة وحضن الأمومة فستدوم ليومين اثنين فقط، يقاربها نص "في حضرة الغياب" بدفق أدبي لا يعادله إلا عمق اللحظة الإنسانية التي عاشها محمود درويش في رجوعه المعلق بين يومين. ففي العام 1996 أصرّ أميل حبيبي وهو ينازع سكرات الموت أن يشترك مع محمود درويش في حوار سينمائي، وأستطاع أن ينال موافقة السلطات الإسرائيلية على هذه العودة المشروطة بأن لا تتجاوز مدتها اليومين. وفي الليلة التي سبقت وصول الشاعر إلى حيفا، أسلم أميل حبيبي الروح، وعاد درويش ليشارك في الجنازة والتأبين، وليجد أن حبيبي أوصى أن يكتب على قبره "باق في حيفا".

أما والدة محمود درويش التي غنى الملايين مع مارسيل خلفية الحنين إلى قهوتها، فسيكتشف الشاعر أن أمه هي أمه وأنه ابنها حين يكونان معاً. يسألها: لماذا كانت تضربه وهو صغير. فتجيبه: كان الشقاء هو السبب. أمه هي أمه، لا تزال تمسح الغبار عن مكتبته القديمة وتغني وتطلق الزغاريد والأناشيد فرحاً بوصوله. أمه هي أمه حين يكونان معاً، يشرب معها قهوتها الصباحية ذائعة الصيت ويسألها: "هل تعجبك الأغنية؟" فتبتسم بحياء وتكتفي بالقول: "الله يرضى عليك" وتذكره بأن عليه أن يذهب الآن، قبل أن يأتي الضيوف لزيارة قبر أبيه الذي توفي بضربة شمس أثناء تأدية فريضة الحج.

يتوحد الشاعر و"أناه" في النهاية، ويحضر القرآن، ويحل النثر بالشعر، ويختم محمود درويش معلقته النثرية:

"فبأي آلاء ربكما تكذبان\

وغائبان أنا وأنت، وحاضران أنا وأنت،

وغائبان\

فبأي آلاء ربكما تكذبان".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الهاربة من الاحزان



انثى عدد الرسائل : 1296
العمر : 27
العمل/الترفيه : بموت وبعشق فى حاجة اسمها كتابة شعر وخواطر
المزاج : كتير حلووو اليومين هادول ويارب يضل هيك على طول
تاريخ التسجيل : 08/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: في حضرة الغياب ( محمود درويش)   الأحد أغسطس 10, 2008 1:48 pm

اول شى الله يرحمه لهالراجل الى بجد شخصية عظيمة جدا
تانى شى انا بشكرك اخى غريب الدار على هاد الموضوع الرائع
الى تناول شخصية تاريخية عن جد بتستحق انو نكتب وقرأ عنها
مشكور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
فلسطين حرة
الادارة
avatar

عدد الرسائل : 581
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: في حضرة الغياب ( محمود درويش)   الإثنين أغسطس 11, 2008 1:01 am

والله بجد موضوع كنت انا لسه بدي ادخل اكتب عن دالك الرجل

بس يله هي عمرك اطول من عمري

وبجد لانها شخصيه فلسطينيه الواحد بتشرف فيها

وشاعر فلسطيني ربنا يرحمه

وبجد بتمنى منك الكل يدخل يترحم على هذا الشاعر الفلسطيني

والكم جزير الشكر

تحياتى الكم

فلسطين حرة

_________________
منتــ ـ ــديات فلسطـ ـ ـين الحـ ــرة ...حلـ ــ ــم كـ ــ ــل فلسطينـ ـ ـي
[b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pal-7ora.yoo7.com
غريب الدار

avatar

ذكر عدد الرسائل : 1043
العمر : 28
العمل/الترفيه : طالب جامعي
المزاج : مبسوط طول ما أنا في المنتدى
تاريخ التسجيل : 12/07/2008

مُساهمةموضوع: مرحبا   الإثنين أغسطس 11, 2008 3:53 pm

مشكورة
أختي الهاربة من الأحزان
وأخي فلسطين حرة على مروركم الطيب
lol!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الرقم الصعب

avatar

انثى عدد الرسائل : 174
العمر : 26
تاريخ التسجيل : 08/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: في حضرة الغياب ( محمود درويش)   الثلاثاء أغسطس 12, 2008 11:04 am

ربنا يرحمو ويرحمنا جميعا

تحياتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
غريب الدار

avatar

ذكر عدد الرسائل : 1043
العمر : 28
العمل/الترفيه : طالب جامعي
المزاج : مبسوط طول ما أنا في المنتدى
تاريخ التسجيل : 12/07/2008

مُساهمةموضوع: مرحبا   الثلاثاء أغسطس 12, 2008 6:09 pm

مشكورة أختي الرقم الصعب على مرورك
lol!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بسمة ألم

avatar

انثى عدد الرسائل : 956
العمر : 25
العمل/الترفيه : طالبة
تاريخ التسجيل : 06/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: في حضرة الغياب ( محمود درويش)   الأربعاء أغسطس 13, 2008 8:53 am

الله يرحمه كان شاعرا جليلا حمل فى اشعاره قضية بلده الحبيب

الله يرحمه ويرحم اموتنا اجمعين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
غريب الدار

avatar

ذكر عدد الرسائل : 1043
العمر : 28
العمل/الترفيه : طالب جامعي
المزاج : مبسوط طول ما أنا في المنتدى
تاريخ التسجيل : 12/07/2008

مُساهمةموضوع: مرحبا   الخميس أغسطس 14, 2008 8:24 am

مشكورة أختي بسمة ألم على مرورك الطيب
lol!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
في حضرة الغياب ( محمود درويش)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
pal-7ora :: محطات فلسطينية :: شخصيات فلسطينية-
انتقل الى: